منتدى المدرسة التربوي
مرحبا بكم في منتداكم الذي هو منكم و إليكم


فضاء التأهيل التربوي
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
مرحبا بكم بيننا ياقادة ودام جودكم ياسادة
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
سحابة الكلمات الدلالية
تعريف المقاربة فضاء المسرح التربوي
المواضيع الأخيرة
» la caractérisation
الأحد 24 يونيو - 23:49 من طرف جواد أصيل

» الإضافة ...
الأحد 24 يونيو - 23:30 من طرف عدنان

» مهارة الوصف
الأحد 24 يونيو - 23:21 من طرف عدنان

» الـــتِّــكْــرَارُ
الإثنين 22 يناير - 12:43 من طرف جواد أصيل

» اختبار في التربية وعلم النفس التربوي مع التصحيح درجة أولى 2006
السبت 29 يوليو - 11:44 من طرف المثابرة55

» اختبر نفسك
السبت 29 يوليو - 11:36 من طرف المثابرة55

» اختبار في بيداغوجية التخصص " le français" 2011
الأربعاء 26 يوليو - 12:09 من طرف عدنان

» اختبار في بيداغوجية التخصص " الرياضيات"
الأربعاء 26 يوليو - 10:54 من طرف عدنان

» موضوع عام حول قضايا التربية والتكوين ( دورة 2011 )
الثلاثاء 25 يوليو - 12:02 من طرف mounir

» le projet de l'école
الثلاثاء 25 يوليو - 11:46 من طرف فاطمة الزهراء

» اختبار في المعارف المرتبطة بالتعليم الابتدائي ( دورة 2011 )
الثلاثاء 25 يوليو - 11:37 من طرف mounir

» اختبار في بيداغوجية التخصص " العربية "
الثلاثاء 25 يوليو - 11:31 من طرف mounir


شاطر | 
 

  مبارك ربيع: في أبعاد الوظيفة المدرسيـة

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
فاطمة الزهراء

avatar

المساهمات : 14
تاريخ التسجيل : 05/02/2017

مُساهمةموضوع: مبارك ربيع: في أبعاد الوظيفة المدرسيـة   الأربعاء 8 فبراير - 13:44

في أبعاد الوظيفة المدرسية
بعيداً عن الاقتداء... قريباً من التأهيل
مبارك ربيع
مدخل: رأس مال بشري
لم يكن إسقاط مفهوم الثورة الكوبرنيكية في المجال التربوي، بعيداً عن دلالته الحقيقية في مجاله الفلكي الأصيل، ذلك أن التجديد التربوي منذ النهضة الأوربية الحديثة، وبوجه أخص منذ القرن التاسع عشر، منتصفه تقريباً، أصبحت هذه الدلالة محرك فاعليته، لا في حدود أن المتعلم هو قطب الحركة، وأن كل شئء في المجال يجب أن يدور حوله لا حول المعلم كالمعهود في التقليد التربوي فحسب، ولكن بمعنى أشمل وأعمق، وهو ما يعني أن المتعلم هو مبتدع وخالق ما حوله، أي أنه العامل الأساسي في العملية التربوية التي هو فاعلها، موضوعها وغايتها في الآن نفسه.
ويبدو الآن واضحاً بكل المقاييس، أن نشدان معيار التقدم والتأخر بين المجتمعات، إن كان يستند إلى مؤشرات، فإن المؤشر التربوي التعليمي يبقى الأكثر دلالة في هذا الاتجاه؛ والأمر لا يتعلق هنا بظاهرة شكلية أو ارتباط عرضي، لأن المجال التربوي بعمومه، يشمل مظاهر الفاعلية المجتمعية الفردية، باعتبارها تمس "التعاقد" البشري في جوهر أسسه ومكوناته، من حيث أنماط الشخصية والرؤى والمطامح المشتركة وإرادة التعايش والقابلية للتفاعل في هذا الاتجاه، أي أنها تمس "مفهوم الرأسمال المجتمعي" بما يعنيه من إرادة وقابلية مجموعة أو أفراد أو جماعات، للعيش سوياً وللتعاون من أجل فضاء عام من العلاقات والمؤسسات، وذلك بالعمل باتجاه دعم هذا الهدف والعمل على تحقيقه.(1)
وبطبيعة الحال، فإن مفهوم "الرأسمال المجتمعي" هذا، يتجاوز كل إيحاءات المجال الأصلي لـ "رأس المال/ اقتصاد" وإن كان يشمله، كما أنه لا يتضمن أية إحالة ستاتيكية أو انسجامية مجتمعية افتراضية، بل هو مفهوم دينامي في كافة وظائفه وأداءاته وظروف اشتغاله، ولا يتنففى مطلقاً مع فاعلية التفاوت والاختلاف والتعارض المجتمعية، فهذه طبيعة فردية جمعية غير مفارقة، وضمنها لا ضمن أية انسجامية مفترضة يشتغل المفهوم.
من هنا فإن أي تناول للمهمة التربوية بصفة عامة، والوظيفة المدرسية أو دور المدرس أو أي مكون تفاعلي في هذا المجال بوجه خاص، يستدعي استحضار دينامية التوجهات التربوية في تجددها المستمر، وفيما تطرحه من معجم خاص، ووما تتميز به من نوعية تفاعل وآلية اشتغال تبعاً لذلك.
1 ـــ مفاهيم:
ويبدو أن مقاربة من هذا النوع، تقتضي تحديداً أوليا لبعض المفاهيم الأساسية على النحو التالي:
يقصد بالوظيفة المدرسة، ما خلق المجال المدرسي لأجله، وهو إعداد الناشئة والمتعلمين عامة لأدوارهم الإيجابية في المجتمع؛ ورغم عمومية هذا التعريف من جهة، وبدهيته من جهة ثانية، فكثيراً ما يغفل ويتجاوز لصالح استقلالية موهومة للمجال في كليته وعما خلق من أجله، بل وفي استقلال مكونات هذا المجال بعضها عن بعض، مما طبع التحديث التربوي، بالعمل على تجديد الوعي بمبادئ التأسيس والتوجهات والتفاعلات في المجال المدرسي (أي مدرس، لأية مؤسسة مدرسية ولأي متمدرس؟)
ويقصد بالاقتداء لغة " أصل البناء الذي يتشعب منه تصريف الاقتداء"، ومنه: " القـُدوة والقدوة (بالكسر) ما تسننت به"؛ إذ "يقال قدوة[بالكسر] وقدوة[بالضم] لما يقتدى به "(2)
والاقتداء أو " التقليد" (3) ظاهرة اجتماعية لدى الإنسان، وهي تمثل ميلا أساسياً في الكائن البشري ــ كما في كائنات أخرى في حدود ــ لاحتذاء الغير في جوانب من السلوك والمهارات، وهي من أولى الظواهر الملحوظة في تنشئة الكائن البشري، إذ عن طريق التقليد يتدرج الناشئ في تعلم ما يلزم من محيطه، ومنهم الأفراد الأقرب إليه في أسرته، ليمتد إلى غيرهم باتساع دائرة حركته، ويتدخل هذا العامل في تعلم كافة المهارات وأنواع السلوك، بدءاً من الانتصاب على القدمين والمشي، إلى الكلام واكتساب اللغة وغيرها؛ وقد بلغ إدراك أهمية دور "التقليد" في الحياة الفردية والجمعية للإنسان، أن اعتبره بعضهم وعلى رأسهم "جابرييل تارد" الظاهرة الاجتماعية الأساسية التي تشكل لحمة المجتمع البشري، مقابل ما يراه آخرون وعلى رأسهم "دوركهايم" من أن "الإكراه المجتمعي" هو الأساس، وأن الضمير الفردي تابع للضمير الجمعي، باعتبار هذا الأخير لا يقل وجوداً في حقيقته عن مختلف المؤثرات الجسدية أو الفزيقية المحسوسة عامة، وهو بالتالي ما يشكل هذه اللحمة والظاهرة الاجتماعية الأساسية والأولى.
وبغض النظر عن مثل هذه الخلافات وتعارض الأراء والتيارات حول طبيعة الظاهرة المجتمعية، وهو ما سيكون نواة المدرسة الاجتماعية الفرنسية المعروفة في هذا الصدد، فإن ظاهرة التقليد تبقى اجتماعية وأيضاً إنسانية إلى حد كبير، وذات أثر هام في تنشئة الكائن البشري وتعلمه، بعيداً عن اعتبار دورها كل شئ أو لا شئ في وجود الإنسان اجتماعياً وحتى بيولوجياً؛ ولا يمنع تأكيد أهمية الظاهرة وتحديدها على هذا النحو، من أن وظائفها في الفرد البشري تختلف من مرحلة إلى أخرى، وأنها مبدئياً تتناقص بقدر التدرج والنضج في النمو، كما أن الكائن البشري لا يستغني عن دورها في مراحل وظروف أو حالات، وهي كما قد تعرض ظاهرة (تقليد) خالصة، فإنها قد تتمظهر كذلك، متفاعلة مع ظواهر أخرى ذهنية وسلوكية وذات طابع ابتكاري؛ بل إنها تمثل بداية الطريق نحو التعلمات الابتكارية، كما هو ملاحظ في شتى الفعاليات البشرية إلتي تبدأ بالتقليد، لتنهي إلى درجات من التفنن والإبداعية.
وعلى مستوى آخر، ومن منظور الحراك المجتمعي والسيرورة التطورية للكائن البشري، فإن نزعة التقليد والاقتداء، سواء في طابعها السلوكي الفردي، أو في مظهرها المجتمعي الذي يجعلها نزاعة إلى الارتباط بالمألوف، ميالة إلى تجنب التغيير والتجديد، فإن " في هذه النزعة خيراً للمجتمع لا يصح إغفاله" وهو ما عبر عنه ماكس فيبر معتبراً إياها بمثابة أحد صمام أمان المجتمع(4)
وبخصوص مفهوم التأهيل، نلاحظ أن معجم العلوم الاجتماعية يضعه مقابل REHABILITATION؛ وهذا المقابل يتضمن في واقع الأمر حمولة إعادة إدماج واندماج اجتماعياً، وهو ما يؤكده شرح هذا المعجم، عندما يجعل هذا المفهوم وبالتالي العمليات المرتبطة به، ترمي إلى معالجة الانحرافات السلوكية وما يدخل في بابها؛ لذلك يبدو لنا استعمال مفهوم التأهيل مقابلا لـ REHABILITATION غير دقيق، ونميل إلى استعمال مفهوم التأهيل في دلالته اللغوية كما هي في أمهات المعاجم العربية، وذلك بمعنى "وأهّله لذلك الأمر تأهيلا وآهله : رآه له أهلا "(5) وهذا المدلول اللغوي، يبدو مسايراً للمقصود حالياً من مصطلح التأهيل، من حيث هو مقابل لمفهوم LA MISE – A NIVEAU المتداول حالياً بما يعني مبدئياً وعملياً، إجراء المطلوب من عمليات أو ما يمكن منها، لجعل شئ ما، أي شئ، في مستوى شئ آخر من حيث العلو والارتفاع، وبالتالي فإن ذلك يعني بالنسبة للإنسان وللتعلم، ما يجعل الشخص يتعلم أو يعلم غيره، ما يجعله كفؤاً وفي مستوى ما يريده أو يطلب منه من مهمة وأداء؛ ونضيف بعض اعتبارات يتميز بها هذا المفهوم وتجعل الميل أقوى إلى استعماله ومنها:
ــــ تضمنه لمعنى التقدم والارتقاء في مستوى التعلم.
ــــ وهو بذلك يبدو قابلا للاستعمال في المجال التربوي، باعتبار التربية جملة عمليات رامية إلى التقدم في الأداء، ولا تحتمل اتجاهاً آخرحيادياً كان، أوتراجعياً أو انحرافياً.
ــــ إمكان استخدامه في مجالات عديدة، بمعنى ما يجعلها صالحة وأهلا لما يراد بها أو منها، كتأهيل أرض أو منطقة لما يراد لها من فلاحة أو صناعة وما شابه ذلك، وهو ما يلتقي مع تصورات معاصرة للمنشآت الإنتاجية باعتبارها مؤسسة Entreprise، ومنها المدرسة بإنتاجها من الموارد البشرية، وكذلك المدرس باعتباره ميسراً أو منسقاً Modérateur أو مسيراً Gérant وغير ذلك من المفاهيم التي سنقف عندها لا حقاً؛ ويكفي أن نسجل هنا أن هذا التداخل في مجالات المفاهيم أو الاشتراك في استعمالها، ما بين مجالات اقتصادية وهندسية صناعية، إنما يزيد من غنى المجال ويقوي ارتباطاته، وهو ما ينطبق بوجه الخصوص على تداول مثل هذه المفاهيم في المجال التربوي، إذ الأمر يتعدى مجرد الاقتباس الشكلي، إلى الرؤية التفاعلية والتكاملية المعرفية والمنهجية، في كل ما يتعلق بتيمة الرأسمال البشري والارتقاء به، في نطاق ما هو اختصاص تربوي تعليمي.
ولا يخفى أن التأهيل بهذه الأبعاد، إذا كان يتلاءم مع التكوين المطلوب لأي مجتمع في أي عصر، فهو يتلاءم بالأولى وعلى نحو أكثر، مع عالم اليوم بمفاهيمه وعلاقاته، وبنمط العولمة السائدة اقتصادياً ومعرفياً، أو لنقل بنوعية الوضعية التواصلية العالمية بصفة عامة، في صيغة ما آل إليه العالم من حيث هو قرية إلكترونية صغيرة ومحدودة، مما يستلزم التعامل مع الوظيفة المدرسية في هذا الإطار، من خلال المفهوم التأهيلي بأبعاده ومرونته وانفتاحه، ذلك أن إغفال تكوين من هذا النوع، يجعل الوظيفة المدرسية بعيدة عن تحقيق هدف التلاؤم مع المتطلبات والمستجدات، وعن الاستجابة للاحتياجات الفردية والمجتمعية، علماً بأن الكثير من الضوائق والأزمات الاجتماعية على المستوى المحلي والعالمي، يمكن إرجاعها إلى أنواع الخلل المرتبطة بالوظيفة المدرسية في كافة مستوياتها، ومن أبرزها وأشدها إلحاحاً وحضوراً، فيض إنتاج الوظيفة المدرسية من المتخرجين المؤهلين وبخاصة غير المؤهلين على جميع المستويات، مقابل نقص مزمن في القدرة الاستيعابية للمؤسسات الاجتماعية الإنتاجية، صناعية كانت أو زراعية أو تجارية أو غيرها.
ويبقى من الضروري التأكيد على أن مفهوم التأهيل هنا يستعمل في دلالته العامة والعلمية الدقيقة، وليس تعييناً لمستوى أو درجة أو توجه في التكوين، ومن أهم مستلزمات الوظيفة المدرسية في هذا الاتجاه، وفرة المخارج التأهيلية وتعدد مستوياتها، بحيث لا تفرض مستوى واحداً أو معيناً مهما كانت مدته ودرجته، لاكتساب السمة التأهلية، بل هي تأهيل مستمر محايث في البرنامج الدراسي بصفة طبيعية لأي مستوى كان، وهي نسغه وجوهره ومكون فاعليته؛ ونذكر على الخصوص أن هذه الوظيفة التأهيلية للمدرسة، لا يقصد بها ما يطلق عليه "التأهيلي" في المنظومة التعليمية المغربية حالياً أو سابقاً، والتي يقصد بها مرحلة من مراحل الدراسة ما بين الابتدائي والثانوي، ومستوى معيناً، وتكويناً خاصاً، وتوجهاً محدداً لفترة محدودة، فالوظيفة التأهيلية المقصودة في مقاربتنا، تتجسد عملياً في أن المتعلم في أي مستوى كان من الابتدائي إلى نهاية الجامعي، يتفاعل ضمن منظومة شاملة كل مراحلها ومجزوءاتها تأهيلية.
ومن جهة أخرى، يبدو من الواضح أن المجال التربوي من حيث هو مجال تنشئة وتعلم، إذا كان قابلا لتحمل مضامين من قبيل "التأهيل" فهو يبدو قابلا لمفاهيم "الاقتداء" أيضاً على حد سواء، أو إلى حدما في ضوء التجديد والتجدد التربوي، وذلك من حيث المبدأ فحسب؛ أما من حيث التدقيق والتخصيص، فالأمر يستدعي تحليلا ومناقشة :
إن الموروث والمعهود في المجال التربوي، في إحالته إلى كثير من المفاهيم والعمليات، سواء كانت معرفية أو سلطوية أو سلوكية أو طريقة تعلمية أو غيرها، إنما يحيل إلى المعلم باعتباره مصدر ذلك كله؛ ومن ثم يبدو في المجال التربوي أن "الاقتداء" عملية أساسية في التعلم؛ وإذا كان هذا الأمر صحيحاً في الفكر والمجال التربويين عامة، فهو لا يقل عن ذلك في ثراثنا الفكري العربي والإسلامي، إذ أن مفهوم الاقتداء يرتبط بالمثال أو النموذج؛ وبالقدوة، وهي تفترض الصلاح والاستقامة بمفهومها المعنوي الاجتماعي العام؛ ومن هنا مدخل إحالات مرجعيات عديدة، دينية وأخلاقية واجتماعية، وكلها ترتبط بأنماط من التعلم على أساس الاقتداء والتقليد.
2 ـــ بيداغوجيا الاقتداء:
لا جدال في أن التربية تمثل مجال عمليات تكوينية ارتقائية في كافة ارتباطاتها وأبعادها، وهو ما يعني التقاءها مع اتجاه عمليات النمو عامة، وما يتضمن أن كلا منهما لا يتقبل أو يحتمل التراجع، كما يعني كذلك أن تخصص التربية يتمثل في الجانب التقدمي الإيجابي لذلك النمو، وبخاصة في أبعاده الذهنية العقلية والمعرفية الإدراكية والاجتماعية السلوكية، بما يؤدي إلى أنها في هذه الأبعاد وما يرتبط بها، لا تتجه إلى السلبي والتخلفي باعتباره هدفاً لها، بل لا تهتم به إلا إذا كان القصد التربوي من ذلك، إصلاحاً وتقويماً وارتقاء؛ وبالتالي لا توجد في التربية إلا بيداغوجيا المردودية والتقدم والارتقاء.
من هنا فإن الوقوف عند بيداغوجيا "الاقتداء"، في الوقت الذي تعمل أطروحتنا باتجاه تجاوزه، إنما هو من أجل أن نتبين على نحو أفضل، بعض الأسس والمبادئ ذات العلاقة بالأطروحة، علاوة على أن ما أوضحناه سابقاً من أبعاد المفهوم، لا ينفي عمليات الاقتداء التي هي حيوية في عمليات التعلم، وإنما يعارض أن تكون هي الأساس أوهي المبدأ والمنتهى في العملية التربوية من جهة، علاوة على أنها ما دامت حيوية إلى هذا الحد، فلا داعي من منظور الاقتصادية التربوية، لاستهدافها بجهد بيداغوجي خاص، بقدر ما يمكن استهداف قدرات واستعدادات أخرى، بقصد تركيزها والتأسيس لتفاعلها في شخصية المتعلم، بل إن مبدأ حيوية الاقتداء، يجعل استهداف تجاوزه من الناحية التربوية مطلباً مشروعاً، بدواعي الاحتياط من بدائية ما هو حيوي أو عفويته، في مجال يقتضي القصدية بالأساس؛ من هنا فإن الوقوف على "بيداغوجيا الاقتداء" وارتباطاتها، يساعد في التصور المتكامل لبيداغوجيا متجاوزة.
ترتبط بمفهوم الاقتداء من الوجهة التربوية عدة تصورات من بينها السلطة والمعرفة، ورغم أن هذين المفهومين قد لا يلتقيان بالضرورة في الحياة العملية واليومية، إلا أنهما من الناحية التربوية وفي مجالاتها، يبدوان مرتبطين أشد ارتباط وبخاصة في موروثها وتراثها؛ فإذا كانت المعرفة منتمية إلى المجالات المعنوية، وتبدو تبعاً لذلك أبعد ما تكون عن السلطة المتجهة في دلالتها إلى المجالات المادية، فإن للسلطة جانبها المعنوي أساساً، وهو الأقوى والأبعد دوراً في التفاعل؛ ويرتكز كل ذلك على تصور تربوي ومجتمعي تتأسس مبرراته على مصدر المعرفة، التي كانت بعض عناصر المجال التربوي تمتلكها وتختص بها دون غيرها، أو يفترض ذلك على الأقل، وفي طليعتها المعلم قبل كل شئ، ثم ما يرتبط به كالمدرسة والكتاب وما إلى ذلك.
ففي ضوء مركزية المعرفة على النحو المعروف مؤسسياً، فإن أهم ما ينجزه المتعلم وما تنجزه العملية التربوية المركزة على المعرفة، هو إنتاج نموذج على شاكلة المعلم وما يرتبط بعالمه المؤسسي التعليمي، علماً بأن هذه النموذجية لن تتحقق بالتمام والكمال، وهو ما لا يمنع هدف اقتفاء أثرها والاقتداء بها من الاشتغال، وفق آليات ظاهرة أو مضمرة، بقصد ووعي أو بخلاف ذلك؛ وترتبط بذلك منظومة التلقي والإلقاء، بما فيها مما تلغيه مبدئياً من"القيل والقال وكثرة السؤال"، وصولا إلى المبدإ المغربي المعروف "أنت اذبح وأنا نسلخ".
إن هذه الكناية عن التضامن والتفويض ما بين المجتمع(الولي) والمعلم ضمن مؤسسته، في باب التركيز الخارجي للسلطة التعلمية، بغض النظر عن مستوياته ونوعية تجلياته، هو ما يشكل نواة صلبة في المجتمع، تشكل منطقة المضمرات أو النوايا المشتركة، التي لا تمثل مجرد لاوعي جمعي، لأنها مشعور بها ( متفق/ متواطؤ بصددها)، ومن شأنها في مختلف المظاهر والميادين، أن تقوي من مصادر المقاومة للتغيير والتحديث في الوظيفة المدرسية والمجال التربوي عموماً، وأخطر ما في الأمر أنها تصدر في ذلك، عن المعنيّين بالعملية التربوية ومن يرتبط بهم، أكثر وأشد خطراً مما تصدر عن غيرهم بصفة عامة (6).
3 ـــ بيداغوجيا التأهيل:
رغم أن مفهوم التأهيل في استعمالاته الكثيرة يبدو معاصراً وجديداً في مركزيته بالنسبة للمجال التربوي، فإنه بالإضافة إلى مرونته وقابليته، يمتح من مرجعية التجديد التربوي في مجمل اتجاهاتها "الفعالة"، منذ منتصف القرن التاسع عشر وإلى اليوم، باعتبار أن التحليل التاريخي والموضوعاتي لمظاهر التجديد التربوي، بدءاً من لا مركزية " المشروع" وما إليه نظرياً وتطبيقياً، إلى الرؤية "التأسيسية" وما بعدها اليوم، يلتقي مع الأسس نفسها التي يشملها مصطلح التأهيل المشبع بتوجه أكثر إجرائية وعملية.
يمكن أن نتحدث بهذا الصدد عن مفهوم التعاقد، وهو هنا ثلاثي الأطراف: معلم ـــ متعلم ــــ مؤسسة؛ وهذه الأخيرة تتمثل مباشرة في الفضاء التعليمي (المدرسة)، كما تتمثل في المجتمع والأسرة وفي الدولة.
ومن الواضح أن هذا التعاقد لا يستمد قوته من كونه مادياً ومكتوباً، كما هو الحال في "التوظيف" الحكومي في مجال التربية والتعليم، أو في بعض الأنظمة العالمية اللامركزية، حيث تقوم بذلك المؤسسة التعليمية غير الحكومية، أو نظيرتها الجهة المنتخبة؛ وأيضاً كما هو معهود في تراثنا التعليمي بالمغرب، وما يزال ساري المفعول في التعليم القرآني بالمجتمع القروي، من نظام "المشارطة" مع "الفقيه"، سواء تم ذلك مكاتبة أو شفوياً، بل إنه يستمد قوته وإلزاميته على نحو أبلغ من روح التعاقد وأبعاده المعنوية الاجتماعية، وذلك لأن الفعل التربوي ليس أداء آلياً، علاوة على أن لا حدود للإجادة فيه؛ كما أن آليات المراقبة (التفتيش وما في بابه)، مهما تبلغ فعاليتها، تبقى خارجية وطارئة على الفعل في ذاته.
وأول ما يتضمنه التعاقد/ المشارطة، وفاء كل طرف بتحملاته؛ وإذا تركنا جانباً المظاهر المادية للأداء في هذا الإطار، فإننا نقف وجهاً لوجه أمام "تعاقد" عملي أساسي، تعاقد: معلم (مؤسسة تعليمية) من جهة، ومتعلم (مؤسسة ولية) من جهة أخرى؛ ونؤكد أن استعمال مصطلح التعاقد هنا، وإن بدا مستفزاً أو غير مألوف على الأقل، فإن التاريخ القريب للتجديد التربوي، يقدم نماذج في الأنظمة التربوية اللامركزية، قوام العمل فيها تعاقدات والتزامات فعلية بين المعلم والمتعلم، على أداء معين محدد في كيفه وكمه وزمانه؛ وهو ما يؤول في النهاية إلى الأهم في كل هذا، وهو تعاقد المتعلم مع نفسه، باعتباره يتحمل مسؤولية تعلمه ودرجة تقدمه في هذا التعلم، فيحاكم نفسه بنفسه، مع إرشاد المعلم (منظومة المؤسسة) ومساعدته حين يطلبها المتعلم أو/ وتقتضيها الضرورة التربوية.
إن الهدف هنا أبعد من تعلم شئ ما، مهما يكن في ذاته وفي أهمية تعلمه، إنه اكتساب كيفية التعلم ذاتها، من هنا فإن الأهم في دور المعلم، يتمثل في الاهتمام قبل كل شئ، بأن يعرف المتعلم موقع المعارف والخبرات المنشودة والمكتسبة، ضمن الخطاطة أو الشبكة الدلالية المرتبطة بها، وكيف تنتظم هذه المعارف بعضها إلى بعض؛ فالارتباطات والعلاقات بين المعارف والمجالات هي الأهم، وهي ما ينمي كيفيات التعلم(7)، و بالتالي ما تتميز به المؤسسة المدرسية.
وحتى لا نذهب في اتجاه تربوي معين، أو نخوض فيما قد يبدو بعيداً عن واقعنا، يمكن اعتبار أساس التعاقد قائماً بين التعلم والمتعلم، في أية أقساط من التعلم المطلوب، بحيث يمثل القسط أو الحصة التعلمية المقدرة، بغض النظر عن كل تقييم، نمطاً من دفتر تحملات؛ والأهم هنا، هو مواصفات المعلم والمتعلم والدور المنوط بكل منهما، في هذه الأنماط من العلاقة والأداء.
لا بد من التأكيد على أن التفاعل هنا يتم بين أطراف مسؤولة، تتقاسم الأدوار والمهمات كل من موقعه ووظيفته، وبالتالي فأهم سمات شخصياتها وسلوكها أنها حرة مستقلة، تتفاعل في مجال فعل وفضاء تربوي، وكل شئ يجري في نطاق تنمية وتبادل الخبرة، وبمنطق دمقرطة المعرفة ووسائل العمل والبحث، بدلا من سلطة مادية أو معنوية، وعوضاً عن منبر عملي أو رمزي لأحد الطرفين.
إن كل ما جاء به التجديد التربوي من هذا المنظور، يهدف إلى تجاوز النمطية في التفكير والعمل، ويقود إلى الابتكارية والمغامرة بأبعادها الفكرية والفزيقية، وليس أدل على غياب هذا الجانب في المؤسسة المدرسية الوطنية، من هزال معرفتنا بواقعنا ومحيطنا، ومدى اتكالنا على فعاليات غيرنا وأدائه في هذا المجال، فمن النادر تنظيم رحلات مدرسية استكشافية ممنهجة للمناطق النائية والمستغلقة من بلادنا، وأكثر ما يحصل من ذلك يظل جد محدود وقاصر في أهدافه، ولا يتعدى بالنسبة للمتعلمين المنظور السياحي الترفيهي لبعض المنتجعات والشواطئ في مواسم معينة؛ بينما تجوب البعثاث العلمية الأجنبية مختلف مناطقنا الصحراوية والجبلية وأعماق بحارنا، وكلها تستكشف وتراكم استثمار الخبرة والمعرفة على أوسع نطاقّ؛ ولا يقل الأمر عن ذلك في الجانب الاجتماعي وما يرتبط بالفكر والثقافة الشعبية، إذ نجد احتفاء البعثات العلمية الأجنبية باستقراء عناصر ثقافتنا وتفكيرنا، من طقوس وعادات الحياة اليومية والموسمية، إلى منهجية اختراق الوعي واللاوعي من ذهنيتنا متمثلا في مجالات خاصة ودقيقة، من قبيل تفسير الأحلام في ثقافتنا، ومدى دلالاتها وإسقاطاتها على سلوكنا الفردي والجمعي.
إن المبدأ التربوي التقليدي المتمثل في التدرج المعرفي من المحسوس إلى المجرد، ومن البسيط إلى المركب ــ بغض النظر عن أية مناقشة ــ ليدعو أساساً إلى أن المتعلم ينتقل ويرتقي في نموه وأساليب تعلمه، انطلاقا من علاقاته الأولية بمحيطه البشري والطبيعي القريب قبل البعيد فالأبعد، وهي كأية علاقات لا تكون سليمة ومنتجة، إلا إذا قامت على الخبرة والاختبار وعلى المشاركة والاكتشاف قبل كل شئ.
إن دور المعلم في هذه الأنماط من تصورات العملية التربوية، يتمثل في الحضور والتتبع بالمعنى الذهني والسلوكي، ويتركز في التنشيط والتحفيز(Cool، إنما عن طريق العمل والخبرة لا عن طريق التعليمات والمعلومات الخالصة، فهو يسهر ويساعد في منهجية العمل ومتعلقاته، أكثر مما يركز على الأداء الموضوعاتي ذاته، إذ أهم ما يكتسبه المعلم ويراد، هو منهجية التعلم والتحصيل، وتنظيم المراحل والخطوات المؤدية إلى ذلك، مما يؤهله في ظروف ومعطيات مستجدة ومتجددة، إلى ابتكار مراحل وخطوات مناسبة لموضوع عمله وبحثه.
يمكن أن نستحضر هنا المبدأ التطوري القائل إن الوظيفة تخلق العضو؛ وهو ما يترجم تربوياً إلى أن التمرين والتمرن على ممارسة التفكير العلمي يولد العقل العلمي، كما هو الحال في التمارين الجسدية لأي عضو من الأعضاء، ولا حاجة إلى الدخول في نتائج التجارب العملية والمعملية في هذا الباب، سواء منها ما طبق على الحيوان أو على البشر من الأفراد، وبخاصة منهم نماذج "التوائم المتطابقة"، كما في نطاق ما سمى بـ" الأطفال الذئاب"، لنخلص مباشرة إلى أن الفعل التربوي إذا كان يهدف إلى تنمية أبعاد مختلفة ومتوازنة في شخصية المتعلم، فهو يهدف أساساً إلى تنمية قدراته العقلية؛ ومن ثم فإن الضرورة التربوية التأهيلية تدعو إلى استهداف هذه القدرات، بإتاحة الفرص الكاملة لتفتحها اللامحدود؛ ومما يلحظ في حياتنا التربوية اليومية، إغفال هذا الجانب إغفالا تاماً، إن لم نقل إن السير في غالب الأحيان يكون عكس المطلوب، وذلك بملاحظة بسيطة وأولية ـــ بعيداً عن المعايير والمقاييس المقننة بهذا الخصوص ـــ تتمثل في منتهى اليسر الذي يمكن أن يستوعب بها المتعلم المعلومة أو الحقيقة المقدمة، أو بالمقابل مدى الصعوبة البالغة التي تستعصي بها تلك المعلومة عن الاستيعاب، فالطرفان المتطرفان هنا وهما سهولة بالغة من جهة، وصعوبة بالغة من جهة ثانية، ينمان عن أن التقدم من معلومة إلى أخرى، ليس في المستوى المطلوب للمتعلم، ولا يساهم في هاته الحال أو تلك، في تنمية قدراته بفعالية تجعله يواجه صعوبات ومشاكل، في مستوى ما يضمن ارتقاءه وتقدمه.
ذلك أن ما ينمي القدرات العقلية للمتعلم، هو ما يطرح عليه مشكلة تستدعي التفكير وبذل الجهد المقدر لمستواه من أجل الاستيعاب؛ ويكون على المعلم أن يقيس بطرقه الخاصة، (من قبيل المعدل الزمني المستغرق في الاستيعاب، ونسبة المستوعبين بسرعة أكثر من غيرهم في فريق متعلميه)، كما بطرق بيداغوجية قياسية معروفة، مدى التقدم في نمو القدرات العقلية للمتعلم نتيجة التعلم الجديد؛ ويتطلب استهداف القدرات العقلية للمتعلم الاشتغال على مفهوم الذكاء، والعمل على تنميته والتقدم به في كافة مظاهره وأبعاده العملية والتصورية والسلوكية، من خلال الخبرة الحية والتمرن المستمر على مواجهة المشاكل، والاندماج في علاقات فاعلة، باعتبار أن الذكاء يتضمن ثلاثة جوانب أساسية على الأقل، وتتمثل في القدرات التحليلية (تبين العناصر والروابط) والتركيبية (وضع الفرضيات الممكنة) والعملية ( الأداء والتطبيق والعلاقات) (9)
وينبغي أن نعتبر أن الارتقاء بهذه الجوانب من الذكاء، في شموله للفعاليات النظرية والعملية والسلوكية هو اشتغال على الابتكارية وروح الاكتشااف التي ترام لذاتها، أكثر مما ترام للناتج عنها؛ وهذه الابتكارية المطلوبة في المتعلم منذ يومه المدرسي الأول، إلى آخر مستوى جامعي في حياته التعلمية، هي ما يؤهل له دور المعلم من جهته ووظيفة المؤسسة تبعاً لذلك، بابتكارية في أساليب ووسائل وعلاقات التعلم والتعليم؛ فشخصيتا الطرفين ودورهما في المعادلة التربوية من هذا المنظور، ليسا إلا وجهي العملة، يختلفان في الشكل والمظهر لكنهما يتكاملان في وحدة النتيجة والهدف، أي في الوظيفة الكلية للفعل.
أ ـــ الإرادة والقصدية
إن الدور التنشيطي والتحفيزي للمعلم من جهة، وما يقابله من استقلالية شخصية المتعلم ومسؤوليته في التعاقد ذاتياً وغيرياً من جهة أخرى، يجد أهميته وكامل جدواه عندما يترجم في الواقع إلى إنجاز عملي، مكتسباً خاصيته الأساسية كفعل إرادي من جانب المتعلم، باعتبار " أن أي دافع (خالص) مجرد عن الفعل، لا يعتبر دافعاً حقيقياً، وبالتالي فهو ليس فعلا إرادياً" (10) إذ لا أهمية تربوية على الأقل، لما يحصل من نتائج إن لم تكن مقصودة باختيار وقصد، ومبنية على إرادة تعلمية ذاتية، وبالتالي إن لم تكن مكتسبة بكيفية شخصية من طرف الفرد، لأنها بدون ذلك تبقى عاطلة وأجنبية عن الفاعلية الذاتية.
ويمكن الإشارة بهذا الخصوص إلى ثنائية اجتماعية وسلوكية، تنظر إلى الأداء من زاويتين إحداهما خارجية تتمثل في النتائج المتحصلة من الأداء، والأخرى داخلية تتمثل في القصد والهدف، وهو ما يعني التمييز بين الإرادة والفعل؛ ومن الواضح تربوياً أن لا مجال لهذا التمييز، وإذا كان ضرورياَ أو ممكناً فلصالح الإرادة وأسبقيتها، بما يعني أن القصد والهدف، وبالتالي المنهج والخطة والخطوات، لها الأولوية في الاعتبار على النتائج؛ وهذا يعني بالضرورة أن النتائج الجيدة المتحصلة بغير قصد، وبغير مطابقة لمنهج وخطوات محددة، لا تنتسب إلى الفعل الإرادي، وبالتالي لا تكتسب مواصفات الأداء التربوي السليم(11).
إننا هنا في صلب نواة التصور التأهيلي للوظيفة المدرسية، باعتبار أن "الإرادة" في شخصية المتعلم هدف جوهري، وهي ما يجعله قابلا للاقتناع بتوجه معين بناء على تصور وإدراك، ومتجهاً لفعل وأداء يحقق ذلك التوجه؛ ومن الواضح أن الإرادة في الكائن البشري في كافة تجلياتها إنما تنمو وفق محكات، وهو ما تمثله الوظيفة المدرسية وتخلقه بوضع مشكلات في مواجهة المتعلم، بل صياغة المنظومة التعلمية على نحو من مشكلات تستدعي استعمال كافة القدرات الذكائية في كافة المراحل، كما تستدعي استحضار الإرادة واستثمارها؛ علماً بان ذلك كله يقوم على أساس التدرج البيداغوجي ومراعاة مستويات المتعلم، بتجنب كل اليسر وكذا كل العسر المبالغ فيهما، وهو ما يجعل بناء المنظومة التعلمية في أقساطها ومراحلها على "قياس" حقيقي لدرجات التقدم والارتقاء في التعلم عن طريق المشكلات.
ومن أجل إيضاح الدور الفعال للمحكات في تنمية الإرادة، نستحضر ظاهرة اللعب أو الرياضة الجسدية، فاللعبة لا تستقيم إذا لم تكن قائمة على صعوبة أو تحد يمثل رهاناً، وبالتالي يؤسس لمعيار يحتكم إليه في تقدير الفوز والتقدم، كما أن التمرين الرياضي الجسدي لا يؤدي وظيفته، إذا لم يتطلب مجهوداً يبذل لتنمية ما يراد تنميته في الكيان.
يمكن التأكيد هنا بل التنبيه إلى طببعة المحكات الإرادية في الوظيفة التأهيلية للمدرسة، إنها مبدئياً مرتبطة بالحياة اليومية وبالجدوى منها، ولا يقصد بذلك جدوى تصورية أو بعيدة زمنياً، بالمعنى الذي المتعلم وكأنه يختزنها لحين الحاجة إليها في مستقبل مفترض أو بعيد، بل المراد أن تكون المشاكل (المحكات) حقيقية ودالة محسوسة في نتائجها وعلاقاتها، وهو ما يجعل الوظيفة التأهيلية مرتطة بالواقع ومباشرة في علاقتها معه، بيد ان هذه الواقعية في توجه الإرادة إلى الفعل من جهة، وفي طبيعة المحكات والمشكلات المطروحة بيداغوجياً من جهة أخرى، لا تحيل إلى أي تناف مع الأداءات النظرية والسلوكية والفنية وكافة ما يبدو غير منتسب إلى الواقع المادي؛ فالواقعية هنا بالمعنى الواسع والعملي في الآن نفسه.
إن القصدية والإرادية، هنا تأتي مرادفاً أصيلا للوظيفة التأهيلية، فهي بقدر ما تضع المتعلم في صلب مسؤولية تعلمه، بقدر ما تجعله في الآن نفسه قادراً على استثمار هذا التعلم في التعامل مع المحيط وابتكار الخطط والآليات الكفيلة بتحقيق هذا الاستثمار على الوجه الأجدى لذاته ولغيره، فرديا ومجتمعياً، ذلك أن ما يجب دفعه هنا الاعتقاد بأن هذه الإرادية بكافة ارتباطاتها ومتطلباتها تؤول إلى نرجسية أوتمركز ذاتي، فالعكس هو المنشود تربوياً لدرجة يمكن القول معها إن البناء التربوي للإرادة، هو بناء لما يجعل الشخصية متوازنة في اتجاهاتها وتوجهاتها.
وقد يكون في هذا التوجه كما نراه من منظورنا التربوي ، مصداقاً للحديث الشريف البالغ التردد في مأثورنا الديني والاجتماعي وهو القائل " إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ مانوى"؛ بمعنى أن نية الفعل، قصديته وإرادته هي شرط تحققه، أما ما يتحقق بدون إرادة ولا قصد أو يتحقق بالصدفة، فلا ينسب لصاحبه، أو لا يجوز أن ينسب له من وجهة نظر تربوية تأهيلية بالذات؛ وبالمقابل فإن الإرادة (في ذاتها)، الخالصة المعطلة عن الفعل، تبقى مجرد وضعية وجدانية، لا تعبر عن أكثر من حالة شعورية مجردة، ولا تصل إلى مستوى الفعل التربوي التأهيلي الذي هو سيرورة عملية واقعية؛ ولا ننس هنا في إطار التصورات المجردة، ولنقل النوايا والإرادات العاطلة عن العمل، أن أهم معضلات الفكر التربوي، تمثل في الترابط الحي بين التصورين النظري من جهة، والعملي التطبيق من جهة أخرى.
من هذا المنظور تبدو كل بيداغوجيا المشروع بصفة عامة، وما ينتمي إلى اتجاهها على هذا النحو من بيداغوجيا الفعل (العمل) والمشاركة والخبرة؛ باعتبارها تتجاوز منطق التلقين والنقل والتراتبية في مجال المعرفة، أي باعتبارها تتجاوز بالأساس الفعل المركز على القطبية المعرفية، إلى منطق اشتراك ومشاركة كل الفاعلين، مولية أهمية مركزية للمتعلم في الوظيفة التأهيلية.(12)
ب ـــ بروفيل تأهيلي
ولعل هذا ما يؤدي إلى ملامح (بروفيل) المدرسة في وظيفتها التأهيلية باعتبارها المؤسسة التعاقدية على أساس تحملات والتزامات بإتاحة الفرصة البيداغوجية لتكوين موارد بشرية (متعلمين) على نحو يجعلهم عمليين منتجين ومسؤولين فيما يقومون به من أدوار، وفيما يرومون أو يناط بهم من مهام، وبذلك فهم قابلون للنلاؤم مع محيطهم، قادرين على التكيف مع مستجدات مجتمعهم وعلى الإسهام في تطويره وتجديده؛ وإن مؤسسة بهذه السمات لهي بطبيعة الحال مؤسسة ذات مجال بيداغوجي دينامي متجدد، يتسم بالانفتاح والابتكارية .
وإننا بهذه اللمسات من التوصيف العام العملية التربوية التأهيلية نقترب أيضاً من ملامح (بروفيل) المعلم من التأهيلي والمؤهل، وهو من هذا المنظور، يمكن أن يمثل على شاكلة مربي/مهندس pédaguogue – ingegneur(13)؛ والمهم في مواصفاته عدم التركيز على عملية التعلم بمعناها الحرفي، في حدودها التقنية الضيقة، وإيلاء الاهتمام كل الاهتمام إلى الكيفية التي يتحكم فيها الشخص المتعلم في تعلمه، أي إدراكه لنمط وسيرورة هذا التعلم، بما يعني فعاليته التنظيمية للمعلومات والخبرات المتحصلة والممارسة في ترابطها وآليات اشتغالها الخاصة، وفي علاقة ما يحصل من تعلم مهما كانت درجته ومستواه، بمكونات الحقل الدلالي المرتبط بذلك التعلم، وبمختلف وتنوع العلاقات القائمة بين تلك المكونات، ومن هنا يبدو إلى أي حد أن دور معلم بهذه السمات، مهما يمكن تحديده وتوصيفه مسباً، فهو يبقى في جزء كبير منه مبتكراً وابتكارياً ووليد اللحظة البيداغوجية للوظيفة التأهيلية المنشودة.
وعلى النحو نفسه نقارب ونقترب من مواصفات المتعلم وبالتالي التعلم في هذا السياق التربوي التأهيلي الفعال، من منطلق تؤكده أبحاث ميدانية وتجريبية مقارنة، وهو المتمثل في نتائج أبحاث تشير إلى "وجود ارتباطات قوية بين فعالية الذات العامة والمتغيرات (المنتقاة والمحددة في عينة البحث)؛ وفي أن أقوى الارتباطات الإيجابية تسجل بين التفاؤلية من جهة، والتنظيم الذاتي واعتبار الذات من جهة أخرى، وهو ما يعني أن طريقة العمل وكيفية الاشتغال بما فيها من ترتيب وتنظيم ومقارنة وتصنيف وما إلى ذلك، وإن كانت تبدو في مجملها مجرد إجرائيات، بعيدة عن جوهر التأهيل، إلا أن عمق أثرها الفاعل يضرب بعيداً في عمق الشخصية بكاملها، ليطبعها بالقابلية التفاؤل، وهي سمة عامة متفتحة ومستقبلية إيجابية.
وتسجل الأبحاث مقابل ذلك أن أقوى الارتباطات السلبية بين الهبوط (النفسي) من جهة والقلق" من جهة ثانية (14)؛ وهو مظهر آخر، تتجنبه الوظيفة التأهيلية للمدرسة كما تتجنبه العملية التربية بصفة عامة، وكما أن الوظيفة التأهيلية لا تختص بمستوى دراسي معين ولا بمرحلة خاصة، فإن هذه الارتباطات بما هو سلبي فيها وما هو إيجابي لا تختص بمستوى تعليمي دون غيره، بل إن الأداء الأكاديمي هو أيضاً بدوره يسجل مثل هذه العلاقة الارتباطية مع فعاليات الذات، والتي تبقى ثابتة مع مختلف المقاييس الأخرى للشخصية، وعبر اختلاف الثقافات والعينات؛ بما يعني أن الفعالية العامة للذات تبدو تركيبا كونياً (إنسانياً)، ينتج علاقات مقنعة ومتفاعلة إيجابياً (أو العكس) مع التركيبات السيكلوجية الأخرى.(15)
ج ــ مجالات التأهيل:
وتبدو مجالات التأهيل مهما اختلفت وتباينت، مؤد بعضها إلى بعض بطرق مباشرة أو غير مباشرة، مما يساعد على التنظيم والتصنيف والمقارنة، بيد أن هذه المجالات بالإضافة إلى هذا التفاعل والارتباط المطلوب إقامته بيداغوجياً، تتميز بروابط أهم، تتمثل في الطابع التجريبي والعملي والعلمي (التكنولوجي).
وقد يبدو لأول وهلة وكأن هذا الطابع العام، يناقض المألوف في بعض مجالات تعلمية أدبية نظرية أو سلوكية، وهذا أمر غير وارد، باعتبار أن بيداغوجيا التأهيل تستوجب مراعاة خصوصية كل مجال، دون أن يدعو ذلك إلى الخروج عن الطابع المميز له، ذلك أن الطابع العلمي في جوانبه التجريبية والعملية والتكنولوجية، يجد تطبيقاته في مختلف العلوم الإنسانية بمواصفات خاصة بكل ميدان، وهي قد تنقص من فرص التجريبي الصرف أوالتكنولوجي الخالص لصالح العملي والعكس، لكن يبقى الاتجاه العام هو المواجهة العلمية للواقع بظواهره المختلفة من طبيعية وإنسانية، والتعامل معها بما يتيح الكشف والاكتشاف وتوسيع دائرة الخبرة التعلمية.
إن أهم ما يعنيه هذا الطابع المميز لبيداغوجيا التأهيل، تجاوزُها مبدئياً وعملياً للتصنيف الدارج المميز بين مجالات علمية وأخرى غير علمية، إذ كل ما يقع في مجال التعلم يكتسب الطابع العلمي منهجاً ومحتوى؛ فمناهج البحث والتعلم لا تخرج عن الدائرة العلمية، وخصوصية المنهج العلمي تابعة لخصوصية المجال والظاهرة المدروسة، ومن الواضح أن تفاعل وتكامل المناهج العلمية يدعم مثل هذا التصور.
ولا يمكن تجاوز اعتراضات أخرى كامنة أو معبرة، عندما يبدو وكأن بيداغوجيا التأهيل تمثل تعارضاً أساسياً مع مجالات ذات طبيعة معنوية أو فنية أو إنسانية عامة، او على الأصح أنها تبعاً لذلك، تمثل توجهاً خالصاً نحو العلوم البحتة وتطبيقاتها التجريبية الخالصة، ورغم أن هذا الأخير لا ضرر منه ولا ينقص أو ينتقص الجدوى التعلمية بل لا يبدو هناك تعارض على الإطلاق، إذ أن الأساس في التعلم هو الخطوات والمراحل العلمية، والقدرة على التصرف في المنهج بما يناسب خصوصية المجال المعرفي أو السلوكي، ويتلاءم مع التعلم المقصود، بالاستفادة في ذلك من تفتح المناهج والمعارف على بعضها البعض، مما لا يشكل خللا أو يمس بتميز الظاهرة أو خصوصية أي المجال؛ وبالتالي فإن ما يهم جوهر العملية التربوية التأهيلية يبقى واحداً وهو المبدأ والمنتهى، لدرجة نقول معها إن نوعية التعلم المستفاد في أي مجال نظري أو معنوي(افتراضاً)، لا تقل عنه في أي مجال خلاف ذلك.
ومن جهة أخرى، فإن بيداغوجيا التأهيل من هذا المنظور لا تتنافى مع تمثل القيم الاجتماعية الأخلاقية أو تمثيلها على الأصح في شخصية المتعلم، ذلك أن المنهج العلمي العملي، ليس من شأنه أن يساعد على تمثل وتمثيل القيم فحسب، بل إنه يجعل هذه القيم مكوناً أساسياً في الذات المتعلمة، ومنبثقة عنها عبر الأداء الموضوعي القائم على الدقة في الإنجاز، والضبط في القياس، ومقارنة المنجز بالواقع المترتب عليه، والتخطيط المسبق للأداء ومراحله التحضيرية، علاوة على ما يتطلب التعاون مع الغير و العمل الجمعي، وكلها قيم تكتسب منبثقة من الذات عبر التعلم التأهيلي؛ وقد قدمت مدارس" التعلم بالعمل" الألمانية منذ النصف الأول من القرن الماضي، مثالا ناجحاً في هذا الباب، كما أكدت الدراسات الميدانية التي أجريت في هذا الصدد، بقصد تبين مدى التقدم أو القصور ما بين متعلمي الدراسات الأدبية الإنسانية من جهة، ومتعلمي الدراسات العلمية والتجريبية من جهة أخرى، في مجالات التعبير الفني (الرسم بالخصوص)، على فرضية توقع أن العلميين أقل درجة في هذا المضمار بالنسبة لمقابليهم الأدبيين والإنسانيين، فلم تحصل فوارق دالة لصالح الفرضية، وبالتالي فالفرص في مجال القيم الفنية كانت متكافئة للعينتين.(16).
وإن الصورة نفسها لتنعكس تلقائياً على القيم الأخلاقية في علاقتها ببيداغوجيا التأهيل، حيث لا تعرض سلطة خارجية مهيمنة أو مباشرة مستقلة عن الذات في التعلم الأخلاقي، بقدر ما تنبثق قيم مثل الواجب (الالتزام الذاتي) والإخلاص (الإتقان، الجودة) والاحترام (اعتبار الذات والغير) والحكامة (الضبط، تدبير الوقت والموارد) وما إلى ذلك، من صميم الأداء ومفهوم الضمير المهني، وبالتالي من عمق الذات الأخلاقية الفاعلة وفي مجال اهتمامها وفعلها، فـ "الأنا" والاهتمام ليسا إلا اسمين لشئ واحد، كما أن نوعية الاهتمام ودرجته بالنسبة لشئ ما، يظهران نوعية الأنا ويقيسانه؛ وهو ما يؤكد أن الاهتمام يعني الهوية الحية (الفعالة) والمحركة للأنا.(17)
وهذا يعني بالأساس، أن القيم الأخلاقية (كالقيم الفنية والعلمية...) تنبثق بعيداً عن "الدرس الأخلاقي" المعهود الخارجي والمباشر، والفارق الأهم فيما بين المستويين، هو فارق ما بين الإحساس بالقيمة في مجالها ومن خلال ارتباطها بالأداء الذاتي، وموقف التلقي السلبي لصيغة قيمية مجردة بدعم سلطة خارجية.
إن ما ترمي إليه وتحققه بيداغوجيا التأهيل في المجال الأخلاقي، بل ما تنتجه في عمق الذات، لهو ربط القيم بالفعل المتحقق، أو بالأحرى انبثاقها من خلاله لا مجردة وعلى نحو مسبق بالنسبة للفعل، أي بالتالي أن هذه البيداغوجيا تنتج أو تتجه إلى أن تنتج تطابق القيمة في لحظة انبثاقها من الذات مع الفعل المرتبط بها، وترمي إلى معالجة أي تفاوت بينهما بما يحقق هذا التطابق إلى أقصى حد ممكن؛ إننا هنا إزاء ذهنية علمية بالمعنى العام الدقيق، وهي على النحو نفسه ذهنية أخلاقية منهجية، تمثل خلاصة ما يتشكل من خلال التمرين والأداء، بغض النظر عن مجال الاشتغال وطبيعته.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
مبارك ربيع: في أبعاد الوظيفة المدرسيـة
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى المدرسة التربوي  :: المرشد في علوم التربية :: مواضيع تربوية باللغة العربية-
انتقل الى: